محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
163
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
والأكوان تسلية له بالأثر عن النظر ، فحصلت له حينئذ المعيّة الاختصاصية اللائقة بحاله حتى إذا أقعده في مقعد الصدق وحصلت له عندية الحق خلع عليه خلع التقريب والتكريم ، وواجهه بوجهه الكريم ، فحصلت له حينئذ المعيّة الحقيقية والمشاهدة السرمدية ، وما ذلك على اللّه بعزيز . لما علم الحق منك وجود الزلل لوّن لك الطاعات ، وعلم ما فيك من وجود الشره فحجرها عليك في بعض الأوقات ؛ ليكون همك إقامة الصلاة لا وجود الصلاة ، فما كلّ مصلّ مقيم . تلوّن الطاعات لوجود الملل ، وتحجرّها في الأوقات لوجود الشره . نعمتان عظيمتان أنعم اللّه بهما على عبده ؛ فإن الملل والشره فتنتان عظيمتان قاطعتان على العبد سبيل عبوديته . والملل تكرّه يعرض للإنسان من عمل يلحقه فيه مشقّة فيصبر عليه ويتحمل التعب فيه حتى يضجر ويسأم ، فيترك ذلك العمل ويرفضه استثقالا له ، وهو شيء يعرض للطبع بعد إيثاره للشيء ومحبته له . والشره : مجاوزة الحدّ في التسارع إلى العمل والحرص عليه . والذي يوجب وجود الملل المداومة على نمط واحد من العبادات فتسأمها النفس وتستثقلها ، فإذا لوّنت عليها استحلتها واستخفّتها ، وقد قال بعض الشعراء : لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة * إلّا التنقّل من حال إلى حال والموجب لوجود الشره صلاحية الأوقات كلها لإيقاع العبادات فيها مع شدة الحرص عليها . وعند وقوع الشره يقع النقص والتقصير فيها ؛ فلذلك عيّن لها أوقاتا تقع فيها ، وأوقاتا لا تقع فيها . وذلك هو معنى « تحجيرها » في الأوقات ؛ فإن كان الملل والشره واقعين في الصلاة لم يكن الآتي بها مقيما لها ؛ لوقوع التقصير منه فيها ، ولم يؤمر إلا بإقامة الصلاة ، لا بوجود صورة الصلاة . قال سيدي أبو العباس المرسي ، رضي اللّه تعالى عنه : « كل موضع ذكر فيه المصلّون في معرض المدح ، فإنه إنما جاء لمن أقام الصلاة ، إمّا بلفظ الإقامة ، أو بمعنى يرجع إليها ، قال اللّه سبحانه : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [ البقرة : 3 ] وقال اللّه تعالى : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [ إبراهيم : 40 ] ، وقال اللّه عزّ وجل : أَقِمِ الصَّلاةَ * و أَقامَ الصَّلاةَ * و الْمُقِيمِي الصَّلاةِ ، ولمّا ذكر المصلّين بالغفلة قال : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [ الماعون : 5 ] ، ولم يقل فويل للمقيمين الصلاة ؛ فالإقامة : أنّه إذا صلى المؤمن صلاة فقبلت منه خلق اللّه من صلاته صورة في ملكوته راكعة ساجدة إلى يوم